ابن فرحون

35

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

قال قيس ؛ فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اركب » ، فأبيت . فقال لي : « إما أن تركب ، وإما أن تنصرف » ، فانصرفت . وفي رواية أخرى : « اركب أمامي ، فصاحب الدابة أولى بمقدمها » . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤلفهم ، ولا ينفرهم ، ويكرم كريم قوم ويولّيه عليهم . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه وأهل بيته إلا قال : « لبيك » . وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجالسهم ، ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة العبد والحر والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة . ولقد قال يوما : « أين فلان » ؟ فقيل : مريض . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نذهب إليه لنعوده » . فقيل له : بعيد منزله . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « منه كان يأتينا » . وكان صلى اللّه عليه وسلم يقبل عذر المعتذر . وقال أنس : ما التقم أحد أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فينحي رأسه ، حتى يكون الرجل الذي ينحّي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده ، حتى يرسلها الآخر ، ولم يزل على خلق عظيم ، ولم يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، ولم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيق بهما على أحد ، حتى إنه يوما أراد أن يمد رجله لتعب لحقه ، فتلطف إلى جلسائه ، فمد رجله الكريمة . وقال لهم صلى اللّه عليه وسلم : « ما تشبه هذه ؟ » . فدارت أذهانهم إلى وجوه المشابهة ، فلما أعيوا وقد استراح ، مد الأخرى وقال : « هذه » ، يعني صلى اللّه عليه وسلم أنه لا يشبهها إلا الأخرى ، فحصل مقصوده مع بقاء حسن الأدب معهم صلى اللّه عليه وسلم .